عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

304

اللباب في علوم الكتاب

غير المؤبّد ، فيقال وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أبدا ، ويقال وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ إلى الوقت الفلانيّ ، ولو كان صريحا في التّأبيد لما كان هذا التقسيم ممكنا في الآية ، فالآية لا تفيد [ إلّا ] « 1 » إحلال من سوى المذكورات ، والعقل يشهد بأنّ الإحلال أعمّ من الإحلال المؤبّد ، ومن الإحلال المؤقّت ، فالآية لا تفيد إلا حلّ من « 2 » عدا المذكورات في ذلك الوقت ، فأمّا ثبوت حكمهم في سائر الأوقات فمسكوت عنه ، وقد كان حلّ من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت ، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النّصّ ولا نسخا له ، وبهذا الطّريق يظهر أنّ قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [ النساء : 23 ] ليس نصّا في تأبيد هذا التّحريم ، وإنّما عرفنا ذلك التّأبيد بالتّواتر من دين محمد - عليه الصلاة والسلام - . الثّاني : أنّ حرمة الجمع بين الأختين لكونهما أختين يناسب هذه الحرمة ؛ لأنّ الأختيّة قرابة قريبة فناسبت مزيد الوصلة والشّفقة والكرامة ، فكون إحداهما ضرّة الأخرى موجب الوحشة العظيمة والنّفرة الشّديدة كالأختية تناسب حرمة الجمع بينهما في النّكاح لما ثبت في أصول الفقه : أنّ ذكر الحكم مع الوصف المناسب مشعر بالعلّية « 3 » ، وهذا المعنى موجود في المرأة وعمّتها ، وخالتها ، بل أولى ؛ لأنّ العمّة [ والخالة ] « 4 » تشبهان الأمّ . والثّالث : أنّه تعالى نصّ على تحريم أمّهات النّساء ، ولفظ الأمّ قد ينطلق على العمّة والخالة ، أمّا العمّة فلقوله تعالى مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السّلام نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [ البقرة : 133 ] فأطلق « 5 » لفظ الأب على « إسماعيل » مع أنّه كان عمّا وإذا « 6 » كان العمّ أبا لزم أن تكون العمّة أمّا ، وأمّا إطلاق لفظ « الأمّ » على الخالة فقوله تعالى وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [ يوسف : 100 ] والمراد أبوه وخالته ، فإنّ أمّه كانت متوفّاة في ذلك الوقت فثبت أن قوله وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ يتناول العمّة والخالة من بعض الوجوه وإذا كان كذلك « 7 » فلم يكن قوله وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ متناولا له ، وإنّما تناولتهم آية التحريم في قوله وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ إمّا بالدلالة « 8 » الصّريحة ، أو الجليّة ، أو الخفية . الرّابع : أن تقول : يجوز تخصيص « 9 » عموم الكتاب بخبر الواحد الصّنف الثّاني من المحرّمات ، والخارجة من هذا العموم : المطلقة ثلاثا ، ونكاح المعتدّة ، ومن كان متزوّجا

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : الإحلال عند . ( 3 ) في أ : بأهلية . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في أ : فانطلق . ( 6 ) في أ : فإذا . ( 7 ) في أ : لذلك . ( 8 ) في أ : الدلالة . ( 9 ) في أ : التخصيص .